الــهـــــوي غــــلاب
قـصــة قـصـــيرة
حــســـن زايـــــــد
قـصــة قـصـــيرة
حــســـن زايـــــــد
كنت أعلم أن عالم النت ، بحر محيط . وعلاقاته شديدة التعقيد ، والتركيب والتداخل . وأنه القفزفي المجهول المظلم المستغلق علي الفهم ، لابد فيه من التوجس والخيفة والحيطة والحذر . إلا أنه نافذتي في الخروج من دائرة الوحدة والخوف والقلق . مات زوجي منذ فترة ، وتزوج أبنائي ، وتركني الجميع نهباً للوحدة القاتلة المفزعة . في النهار كنت أستغرق في العمل قتلاً ، للهروب من شقيق زوجي ـ زميلي في العمل ـ الذي يطاردني طوال الوقت ، للزواج مني بعد وفاة زوجته . وأن أصل إلي حد الإنهاك الذي لا يدعني إلا جثة هامدة علي السرير في الليل . وما أن يأتي الليل حتي تطاردني أشباح الوحدة ، فيطير النوم إلي حيث لا أدري . أستأنس أحياناً باتصالات هاتفية بأمي وأخوتي في بيوتهم ،إلا أنها مهما طالت ، تنتهي ، وتعود أشباح الوحدة من جديد . طلبت من أحد الزملاء ـ علي استحياء قاتل ـ أن يعد لي صفحة علي النت علي جهاز اللابتوب . وبدأت معه حذرة يقظة متنبهه . أتصفح الأخبار، والمشاركات ، دون تدخل بإعجاب أو بتعليق . فوجئت بزميلي في العمل معاتباً لعدم قبول صداقته ، فأبديت جهلي بالأمر . أصبح الزميل صديقا ، والزميلات ، والأقارب . وحرصت علي الإلتزام في أضيق الحدود بالتعليق والإعجاب . وحذفت كل طلب صداقة لا أعرف صاحبه . ولم أرد علي أي تعليقات تخصني ، أو حوارات علي نافذة الدردشة . وفي ليلة جاءني طلب صداقة من رجل ، فحذفته ، فعاود الطلب ، وعاودت الحذف . مرت أسابيع علي هذه اللعبة . إصراره خلق بداخلي فضولاً تعذر إسكاته . التقط الخيط ، وفتح نافذة الدردشة ، وبادر بعبارات الشكر والإطراء ، فعاجلته بقولي :
ــ نعم ؟ ! .
ــ ممكن نتعرف ؟ .
ــ لأ .
ــ لن تندمي .
ــ ............
ــ طيب .
كنت انتظر رسائله ـ لم أرد عليها ـ التي يبعث بها عبر نافذة الدردشة . كانت حروف كلماته الرقيقة ، الناعمة ، الهامسة ، تشق طريقها شقاً ، رفيقاً ليناً ، بين شقوق عمري الظمأي ، دون خدش أو جرح ، وإنما لمساً خفيفاً كملمس الحرير . تنسل كما ينسل الماء من في السقاة ، فتروي مني عطش السنين . كان زواجي تقليديا ، لذا غزت نعومة حروفه ودفئها مسام جلدي ، دافئة ، حنونة ، دافقة ، متدفقة ، حية ، نابضة ، فصادفت في النفس ترتبتها الخصبة ، كأنهما كانتا علي ميعاد ، فتشكلت كلمات ومعان عند منابع قلبي ، لتعيد تشكيل ، وتركيب مشاعري ، وعواطفي ، وأحاسيسي ، وإدراكاتي ، ووجداني . انتظرته حتي فتح النافذة ، وقبل أن يبدأ بادرته :
ــ ماذا تريد مني ؟. وآخرتها .
ــ أريد قلبك .
ــ ...............
ــ جربي ، ولن تندمي .
ــ ......................
كبست زر الطاقة ، فانطفأ الجهاز . هزتني جرأته ، وانتفض جسدي ، وأصابتني قشعريرة .
ما زال شقيق زوجي يطاردني ، بحكم زمالته في العمل ، وعمومته للأولاد . وبدأ يدفع بالأولاد وباقي أفراد الأسرة في سبيل الضغط والحصار . وأنا أتفلت منه ، ومنهم ، بأعذار شتي . وكلما زلل عقبة ، اصطنعت غيرها . فأنا لا أشعر تجاهه بأي مشاعر ، ولم تكن المغريات المادية بكافية وحدها لتغيير موقفي منه . وقد ازداد موقفي تصلباً بعد ظهور الوافد الجديد في حياتي ، ووجدتني مرتمية في أحضان حبه مستسلمة ، ومقيدة بإرادتي ـ الحرة ـ بسلاسل لا تنفك .
قلت له :
ــ إلي متي هذه الرسائل ؟ .
قال :
ــ حتي يرق قلبك .
قلت :
وإن رق ؟ .
قال : ستعيشين معي أجمل قصة حب في الوجود .
قلت :
ــ أشوف .
وجدت نفسي أفر إليه ، من تعب الشغل ، وتعب الحياة ، وتعب المطاردة ، وتعب الجفاف والوحدة . وجدتني معه آمنة بعد خوف ، مطمئنة بعد قلق . نتقابل في عالمنا الإفتراضي ، نتكلم ، نتحاور ، نتناقش ، نختلف ، نتفق ، نتشاجر ، نتصالح ، ندخل ، نخرج ، نفكر ، نتأمل ، نضحك ، نمشي ، نجري ، نفكر ، نتنفس ، نهمس ، نحس ، نشعر . بدد وحدتي ، وقتل خوفي وقلقي . أشعر به معي ، احسه ، ألمسه ، أري نظراته ولفتاته ، أسمع صوت أنفاسه ، ووقع أقدامه . مر الوقت معه بغير حساب ، شأن الأوقات السعيدة . سألته يوما :
ــ ممكن أحلم برؤيتك ؟
قال :
ــ اللقاء نصيب .
قلت :
ألي فيك حق ؟ .
قال :
أنا كلي لك .
قلت :
ثم ماذا بعد ؟ .
قال :
ـ ألم أقص عليك ظروفي ؟ .
قلت :
ــ نعم .
أنا مؤمنة بصدق حبه . ولكن انتابني شعور بأنه يرغب في استمرار الأمر علي هذا النحو . وقد كان الحصار الخانق المفروض علي لا يسمح لي بالتنفس . وهو لم يكن يعلم عن هذه الضغوط شيئاً . ربما لمحت له بالأمر ، دون الدخول في التفاصيل . ربما لعدم إيلامه ، والحرص علي عدم فقدانه . وصلت حياتي مع أسرتي وأولادي إلي طريق مسدود . إنتهي الأمر إلي معادلة صفرية . وبدأت آلام جرح تشق قلبي الطفلي ، الذي لا يزال يمرح في حدائق الحب العذري ، التي تجري جداولها تحت الضلوع . عاجزة عن مواجهته ، وإخباره بالأمر ، لقد انسحقت تحت وطأة الموقف . ثم عزمت وحزمت أمري ، جلست إلي اللابتوب ، وشلالات الدمع النازف لا تجف ، كتبت :
ـ أنا تزوجت .
وأرفقت برسالتي رابط أغنية أم كلثوم : " هو صحيح الهوي غلاب " . ثم حذفت الصداقة .
مرت السنوات متثاقلة مملة تقليدية ، ولم يغب عن قلبي وسط الزحام . لم يطلب صداقتي من جديد . ذهبت إلي صفحته ، كانت آخر منشوراته عليها : " لن أنساك " . ولا توجد أي نشاطات حديثة علي الصفحة . هناك فقط اسمه ن وصورته ، وآخر منشوراته . طلبت الصداقة ، ولم أتلق رداً ، ولا يزال الطلب معلقاً منذ سنوات .
حــســـــن زايــــــــــد
ــ نعم ؟ ! .
ــ ممكن نتعرف ؟ .
ــ لأ .
ــ لن تندمي .
ــ ............
ــ طيب .
كنت انتظر رسائله ـ لم أرد عليها ـ التي يبعث بها عبر نافذة الدردشة . كانت حروف كلماته الرقيقة ، الناعمة ، الهامسة ، تشق طريقها شقاً ، رفيقاً ليناً ، بين شقوق عمري الظمأي ، دون خدش أو جرح ، وإنما لمساً خفيفاً كملمس الحرير . تنسل كما ينسل الماء من في السقاة ، فتروي مني عطش السنين . كان زواجي تقليديا ، لذا غزت نعومة حروفه ودفئها مسام جلدي ، دافئة ، حنونة ، دافقة ، متدفقة ، حية ، نابضة ، فصادفت في النفس ترتبتها الخصبة ، كأنهما كانتا علي ميعاد ، فتشكلت كلمات ومعان عند منابع قلبي ، لتعيد تشكيل ، وتركيب مشاعري ، وعواطفي ، وأحاسيسي ، وإدراكاتي ، ووجداني . انتظرته حتي فتح النافذة ، وقبل أن يبدأ بادرته :
ــ ماذا تريد مني ؟. وآخرتها .
ــ أريد قلبك .
ــ ...............
ــ جربي ، ولن تندمي .
ــ ......................
كبست زر الطاقة ، فانطفأ الجهاز . هزتني جرأته ، وانتفض جسدي ، وأصابتني قشعريرة .
ما زال شقيق زوجي يطاردني ، بحكم زمالته في العمل ، وعمومته للأولاد . وبدأ يدفع بالأولاد وباقي أفراد الأسرة في سبيل الضغط والحصار . وأنا أتفلت منه ، ومنهم ، بأعذار شتي . وكلما زلل عقبة ، اصطنعت غيرها . فأنا لا أشعر تجاهه بأي مشاعر ، ولم تكن المغريات المادية بكافية وحدها لتغيير موقفي منه . وقد ازداد موقفي تصلباً بعد ظهور الوافد الجديد في حياتي ، ووجدتني مرتمية في أحضان حبه مستسلمة ، ومقيدة بإرادتي ـ الحرة ـ بسلاسل لا تنفك .
قلت له :
ــ إلي متي هذه الرسائل ؟ .
قال :
ــ حتي يرق قلبك .
قلت :
وإن رق ؟ .
قال : ستعيشين معي أجمل قصة حب في الوجود .
قلت :
ــ أشوف .
وجدت نفسي أفر إليه ، من تعب الشغل ، وتعب الحياة ، وتعب المطاردة ، وتعب الجفاف والوحدة . وجدتني معه آمنة بعد خوف ، مطمئنة بعد قلق . نتقابل في عالمنا الإفتراضي ، نتكلم ، نتحاور ، نتناقش ، نختلف ، نتفق ، نتشاجر ، نتصالح ، ندخل ، نخرج ، نفكر ، نتأمل ، نضحك ، نمشي ، نجري ، نفكر ، نتنفس ، نهمس ، نحس ، نشعر . بدد وحدتي ، وقتل خوفي وقلقي . أشعر به معي ، احسه ، ألمسه ، أري نظراته ولفتاته ، أسمع صوت أنفاسه ، ووقع أقدامه . مر الوقت معه بغير حساب ، شأن الأوقات السعيدة . سألته يوما :
ــ ممكن أحلم برؤيتك ؟
قال :
ــ اللقاء نصيب .
قلت :
ألي فيك حق ؟ .
قال :
أنا كلي لك .
قلت :
ثم ماذا بعد ؟ .
قال :
ـ ألم أقص عليك ظروفي ؟ .
قلت :
ــ نعم .
أنا مؤمنة بصدق حبه . ولكن انتابني شعور بأنه يرغب في استمرار الأمر علي هذا النحو . وقد كان الحصار الخانق المفروض علي لا يسمح لي بالتنفس . وهو لم يكن يعلم عن هذه الضغوط شيئاً . ربما لمحت له بالأمر ، دون الدخول في التفاصيل . ربما لعدم إيلامه ، والحرص علي عدم فقدانه . وصلت حياتي مع أسرتي وأولادي إلي طريق مسدود . إنتهي الأمر إلي معادلة صفرية . وبدأت آلام جرح تشق قلبي الطفلي ، الذي لا يزال يمرح في حدائق الحب العذري ، التي تجري جداولها تحت الضلوع . عاجزة عن مواجهته ، وإخباره بالأمر ، لقد انسحقت تحت وطأة الموقف . ثم عزمت وحزمت أمري ، جلست إلي اللابتوب ، وشلالات الدمع النازف لا تجف ، كتبت :
ـ أنا تزوجت .
وأرفقت برسالتي رابط أغنية أم كلثوم : " هو صحيح الهوي غلاب " . ثم حذفت الصداقة .
مرت السنوات متثاقلة مملة تقليدية ، ولم يغب عن قلبي وسط الزحام . لم يطلب صداقتي من جديد . ذهبت إلي صفحته ، كانت آخر منشوراته عليها : " لن أنساك " . ولا توجد أي نشاطات حديثة علي الصفحة . هناك فقط اسمه ن وصورته ، وآخر منشوراته . طلبت الصداقة ، ولم أتلق رداً ، ولا يزال الطلب معلقاً منذ سنوات .
حــســـــن زايــــــــــد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق