الاثنين، 19 أكتوبر 2015

الإنتخابات البرلمانية بين الطفولة والمراهقة بقلم الكاتب حسن زايد

الإنتخابات البرلمانية بين الطفولة والمراهقة
بــقـــلـم / حــســـــن زايـــــــــد
أبدت وسائل الإعلام المختلفة ، في مصر ، انزعاجها ، من تدني نسب الإقبال علي الإنتخابات البرلمانية ، كاستحقاق ثالث من استحقاقت خريطة المستقبل لثورة يونية . معتبرة أن ذلك يعكس أجواء الرفض ، أو الردة السياسية ، لهذه الثورة . أو أنها تمثل قدحاً في شرعية نظامها السياسي ، أو مؤشراً علي تراجعها وانحسارها ، علي نحو ما يروج له المحسوبون علي ما يسمي الإسلام السياسي ، من باب الشماتة . أو يروج له غيرهم من أصحاب التوجهات المناهضة أو المعارضة بمناسبة وبدون مناسبة من باب النكاية .
والواقع أنني لم أنزعج من ذلك علي هذا النحو ، وإن كان عدم الإنزعاج ، لا يعبر بالضرورة عن الرضا والقبول . ويرجع عدم انزعاجي لأسباب قد أجدها موضوعية ، لأن المقدمات الخاطئة ـ منطقياً ـ تفضي إلي نتائج خاطئة . وعند البحث في مقدمات تدني نسب الإقبال علي الإنتخابات البرلمانية في مرحلتها الأولي سنجد أنها مقدمات خاطئة .
المقدمة الأولي أن هذه الإنتخابات جاءت ـ وإن كانت متأخرة عن موعدها ـ بعد مشاركة فعالة في الإستفتاء علي الدستور ، وانتخابات رئاسة الجمهورية . والفارق بين الإثنين واضح . فهو فارق في وضوح الرؤية ، ووحدة الهدف . ففي الإستفتاء علي الدستور كان المصريون أقرب إلي المشكلة المتعلقة بإزاحة نظام الإخوان ، وأن الدستور أولي خطوات المرحلة الإنتقالية في التخلص من هذا النظام ، وإرساء أولي لبنات الدولة المدنية . ومن هنا كان الإقبال علي الإستفتاء علي الدستور .
أما الإنتخابات الرئاسية ـ خاصة في ظل ترشح السيسي في هذه الإنتخابات ـ كان لها وضعها الخاص ، وظروفها الموضوعية الداعمة . فقد كان الرئيس يحظي بشعبية جارفة قبل الترشح للرئاسة ، أيام كان وزيراً للدفاع ، باعتباره كان علي رأس المؤسسة التي أزاحت الكابوس الإخواني إعمالاً لإرادة شعبية عارمة ، فكان طبيعياً أن يحتشد المصريون علي نحو غير مسبوق في الإنتخابات الرئاسية .
ومقارنة نسبة المشاركة في الحالتين بالحالة القائمة هي مقارنة ظالمة ، قد تصيب المراقب بالإحباط .
المقدمة الثانية وهي تتمثل في الملابسات التي أحاطت بإصدار قانون الإنتخابات ، وتقسيم الدوائر . فمن ناحية جري وضع قانون معيب دستورياً . ومن ناحية أخري ، لهاث الأحزاب والأفراد من الهرولة للطعن عليه بعدم الدستورية ، بقصد كسب الوقت من جانبهم للإعداد للإنتخابات من ناحية . والإيحاء بأن النظام المصري هو وراء وضعه علي هذا النحو المعيب حتي يبدو التعطيل في الإصدار قانونياً ، من ناحية أخري . وهذا المسلك قد ترك انطباعاً لدي الناخبين بعدم الجدية في الإنتقال الطبيعي للإستحقاق الثالث للثورة .
المقدمة الثالثة ، وتتمثل في حالة العك الإعلامي المعالج لقضية الإنتخابات ، وخاصة الإعلام الخاص . فقد تحولت بعض القنوات إلي أبواق دعاية فجة مع أو ضد ، دون الإستناد إلي معايير موضوعية مقنعة ، وذلك في مجتمع تغلب علي سكانه الأمية ، والأمية السياسية والثقافية ،أي أنه مجتمع قابل للإستهواء والإستمالة . ونتيجة تضارب البضاعة المعروضة وتناقضها اعتزل المواطن التعاطي معها علي نحو جاد .
المقدمة الرابعة ، وهي تتمثل في ظهور أوجه عديدة من النظامين السابقين عليه ، واللذين ثار الشعب في مواجهتهما ، بما يعطي إنطباع لخصه الزعيم سعد زغلول بقوله : " مفيش فايدة " . أي لا فائدة من الثورات طالما أنها تأتي بذات الوجوه المثار عليها . وقد كان يتوجب تطبيق ما يسمي بالعزل السياسي لفترة انتقالية ، حتي لا تحدث انتكاسة ثورية أو ردة . هذا بخلاف ظهور ما يسمي بالمال السياسي الذي سيلعب دوراً بارزاً في البرلمان القادم .
المقدمة الخامسة ، وتتمثل في الفقر الجماهيري المدقع الذي تعاني منه الأحزاب السياسية ، بما فيها أحزاب ما قبل الثورة ، فضلاً عن الفقر السياسي والثقافي وفقدان الدور والهدف ، وعدم وجود برامج متمايزة ، والعجز عن الإلتحام مع الجماهير في الشارع ، وعدم وجود الكوادر التي تملك القدرة علي الحركة المؤدلجة بين الجماهير ، وحالة التهافت المزري علي السلطة . وحتي علي مستوي المرشحين الفردي ، فيندر أن تجد الرجل الذي يحمل فكرة محددة ، ويعمل عليها وسط الجماهير ، فيما عدا أعضاء الحزب الوطني المنحل ، وأعضاء ما يعرف بالإسلام السياسي ، فهما من محترفي الإنتخابات والعمل بين الجماهير .
المقدمة السادسة ، وهي تتمثل في عدم وجود إدراك الحكومة ـ عن قصد أو دون قصد ـ لطبيعة المناخ السياسي التي تصدر فيه القرارات السياسية ، خاصة إذا كانت متعلقة بالحاجات العادية والأساسية للمواطن ، وكأني بأحد أعضائها يعمل ضد مصلحة الوطن .
هذه المقدمات الست لابد ـ إن كانت خاطئة ـ أن تفضي إلي نتائج خاطئة ، أقلها الإمتناع عن المشاركة أو التصويت العقابي .
فهل يرجع ذلك إلي طبيعة المرحلة العمرية السياسية التي نعيشها ، وهي المرحلة بين مرحلة الطفولة ومرحلة المراهقة السياسية ، وهي فترة عمرية مزعجة ؟ . ربما .!!
حــســــن زايــــــــــد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق