الـنـمـر وخــريـطـة الـعـلاقـت الــعــربـيــة
بقلم الكاتب الكبير حسن زايد
لقد كشف إعدام النمر مخبوء نفس السلطة القائمة في طهران ، وهو ما كان معلوماً ومكشوفاً دون مواربة ، وإن كان البعض قد مارى في ذلك . كما كشف أيضاً مخبوء نفس السلطة القائمة في العراق ، وأفصح بجلاء عن انتماء هذه السلطة ، وتوجهاتها ، وانحيازاتها . كما وقد أماط اللثام عن الوجه الحقيقي لحزب الله في لبنان ، وانحيازاته اللاعروبية ، وعلة تدخله السافر في سوريا ، ليس انحيازاً للنظام القائم فيها فقط ، وإنما انحيازاً للتوجهات الإيرانية في المنطقة كما أنكشف بذات القدر ـ فيما قبل ـ مخبوء نفس السلطة التركية ـ الإخوانية ـ بقيامها باحتلال محافظة الموصل ، تحت دعاوي وذرائع باطلة ، لا تنهض في مواجهة الأطماع التركية في العراق ، التي بدت ظاهرة للعيان . وقد تعري في خضم ذلك موقف السلطة القطرية ، ووضعها تحت الشمس حتي يري من بعينه رمد . أتي ذلك في ظل الأوضاع العربية السائلة ، علي كافة الأصعدة ، بعد ما عرف بثورات الربيع العربي ، التي كانت وبالاً علي المنطقة بأسرها . والأمر ليس أمر إعدام النمر، وإنما أريد بحالة النمر تفجير الأوضاع داخل المملكة السعودية كمقدمة لتفجير الأوضاع في بقية الدول العربية من ناحية ، وحالة الوصاية التي تريد إيران فرضها عليى البلاد العربية ؛ بدعوي حماية الأقليات الشيعية فيها . إذن إيران تسعي إلي جعل وجود هذه الأقليات خنجراً في خاصرة الأنظمة العربية ، وابتزازها ، وإخضاعها ، وتنصيب نفسها شرطياً للمنطقة ، باعتبارها قوة إقليمية مرهوبة الجانب . ولعل في الاتفاق النووي بين إيران والجانب الأوربي / الأمريكي ما يحمل تهديداً للأمن القومي العربي ، لأنه بالضرورة ليس موجهاً ضد اسرائيل . وكما أن إرتباط ظهور المذهب الشيعي ، كمذهب فقهي ، كان مرتبطاً بحالة سياسية ليس لها علاقة بالدين من الأساس . فإن إثارة الغبار حول حالة إعدام النمر، باعتبارها حالة دينية ، يترتب عليها زوال ممالك ودول ، وظهور المهدي المنتظر ، وصناعة حسين آخر، بخلاف الحسين بن على رضي الله عنهما ، وتوظيفه لخدمة أغراض سياسية ، لهو آداء مفضوح يتناغم مع مخططات أورو/ أمريكية ؛ لإعادة رسم خريطة سايكس / بيكو ، التي لم تعد تتوائم مع منطق سيادة وهيمنة الحضارة الغربية علي مقدرات الكون ، ولعل في الموقف الغربي / الأمريكي الرمادي الباهت من الإعتداء علي السفارة السعودية في إيران ـ رغم مخالفته للمواثيق والأعراف الدولية ـ خير شاهد علي ذلك . والدعوة إلي التصالح المذهبي بين السنة والشيعة ـ والتي يدعو لها البعض ـ ضرورة حياة ، ولكن بعيداً عن الإختلالات الهيكلية في المذهب الشيعي ، وكذا بمنأي عن اللوثة السياسية التي تفسد قضايا الدين . وقد كشف إعدام النمر أيضاً موقف القيادة العراقية من الملف العروبي ، والإنحياز السياسي الواضح من جانب القيادة العراقية لتوجهها المذهبي ، وقد كشف نور المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق عن هذا التوجه ، ليدرك العرب ـ بعد فوات الأوان ، وربما بمساعدة بعضهم ـ أنهم قد سلموا العراق تسليم مفتاح لنظام الحكم الإيراني ، ولعل ما فعله الشيعة في سُنَّة العراق ، كان في جانب منه ، أحد أهم أسباب ظهور تنظيم داعش بتوحشه المرئي والمُحس والمُعاش . وقد كشف كذلك الوجه الحقيقي لحزب الله اللبناني ، ذلك الحزب الذي صفقت له جماهير العرب ـ علي إختلاف مذاهبهم الدينية ، وتوجهاتهم السياسية ، حين أجبر قوات الإحتلال الإسرائيلي علي الجلاء عن جنوب لبنان ، ثم اتضح مع الوقت أنه يعمل لحساب الأجندة الإيرانية ، وقد تكشف ذلك من خلال ما قام به فور تفجر أزمة النمر من إعتداء علي الجانب الإسرائيلي ، بعد فترة خمول وكسل جهادي ، بقصد تفجير المنطقة ، ولفت الأنظار عن إحراق السفارة السعودية في طهران . وما كان انحيازه إلي جانب نظام الأسد في سوريا إلا انحيازاً مذهبياً دينياً محضاً ـ مع تحفظي الشديد علي التصنيف المذهبي في إطار العمل السياسي ـ بعيداً عن الحفاظ علي الدولة السورية ومؤسساتها ، شأنه في ذلك شأن ربيبته إيران ؛ لأنه لو كان يعمل من منطلق سياسي محض باعتباره فصيلاً وطنياً ، لما عطل انتخاب رئيس لجمهورية لبنان علي مدار الفترة الماضية . وفيما قبل ذلك ، قامت تركيا باحتلال الموصل العراقية لتكشف الأطماع التاريخية لأردوغان في المنطقة العربية ، وأحلام إعادة ربقة السلطنة العثمانية إلي الرقاب العربية ؛ بدعوي إعادة إحياء الخلافة الإسلامية . كل ذلك باسم الدين واستغلالاً له ، وركوباً لموجته ، وحياته في القلوب ، وليس كلامي دعوة لإقصاء الدين عن الحياة السياسية ، وإنما هو إقصاء للسياسة عن الدين ، والبون بين الموقفين شاسع . أما عن الموقف القطري فقد تعرى تماماً ، ولم يتبق من ورقة التوت ما يستر سوءته ، إن لم تكن قد سقطت تماماً . وأنا أتصور أن الموقف العربي الراهن ، لابد أن يدفع العرب جميعاً ، إلي فرش خرائط العلاقات العربية علي الطاولة ، سواء أكانت العلاقات العربية / العربية ، أو العربية / الإقليمية ، أو العربية الدولية ، لعل في إعادة قراءتها ما يفيد الحاضر والمستقبل العربي . فهل إلى إعادة القراءة من سبيل ؟ ! .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق