الْحـَـقُّ الْـمُـــرُّ
بــقـــلــم / حــســـــن زايــــــــد
الحق والباطل نقيضان لا يجتمعان معاً ، وقول الحق في مواجهة صاحب الباطل مُر ، شأنه في ذلك شأن الدواء في مواجهة المريض ، فلو امتنع المريض عن تناول الدواء لمرارته ، لإستشري المرض وعز الشفاء ، والباطل مرض ، ولو امتنع المجتمع عن قول الحق ، لإستشري الباطل وعز الشفاء . ولذا جُعِلَت قولة الحق عند سلطان جائر من أفضل الجهاد . ومرارة كلمة الحق نابعة من أمرين : الأول : أنها تصدر في مواجهة سلطان جائر ، لأن السلطان العادل لا تزعجه ...كلمة الحق . الثاني :أنها مُرة باعتبار نتائجها علي القائل ، فلا شك أنها نتائج وبيلة ، لا يحتمل مرارتها إلا القليل . وكلمة الحق مُرة بالنسبة للسلطان الجائر؛ لأنها تذكره بجوره ، وظلمه ، وفساده ، الأمر الذي قد يعرقل - ولو قليلاً - هوي نفسه ، ويعكر صفو مزاجه ، ويقض مضجعه ، وينتقص من شهواته ونزواته ، ويغض من كبريائه وغروره ، ويحد من سلطانه ؛ ولذا فإنه يسارع بالتخلص من قائل كلمة الحق ، بقتله ، أو بنفيه من الأرض ، أو بتلويث سمعته ، واغتياله معنوياً ، حتي لا يمثل حجر عثرة في سبيل تزيين الباطل بزينة الحق ، فيلتبس الأمر علي الناس ، فلا يحقون حقاً ، ولايبطلون باطلاً . ولا يقدح في سلطة قائمة أن يكون لديها أخطاء ، أو عندها مثالب ، فكل ابن آدم خطاء ، وانما يقدح فيها صم آذانها عن سماع قولة الحق ، وعدم العمل بمقتضيات هذا السماع ، وأن تتعامل مع الناس باعتبارها أنصاف آلهة ، وباعتبارهم انصاف بشر . فتصم آذانها عن قولهم ، ولا يرد لها قول ، ولا يعقب عليها معقب . أما الأخطاء والمثالب ، فهي مع الإدارة الراشدة ، قابلة للإصلاح والتقويم . والإدارة في الوحدات الحكومية المصرية ، إدارات جائرة مستبدة ؛ لأنها بلا استثناء - نظراً لطول المدة التي مكث فيها النظام - تربت ، ونمت ، وترعرعت ، واينعت ، ونضجت ثمارها ، في ظل نظام بيروقراطي ، فاسد ، عفن ، بلغ في فساده حدود التبجح والعهر ، أي أن جيل القيادات الحالية ولد وشب عن الطوق ، وتولي سلطاته ، وصلاحياته ، في ظل هذا النظام ...ومعايير الإختيار لم تكن استثناءً من هذه القاعدة ، لأنه يبدو أن الفاسد الأكبر ، كان حريصاً علي اختيار من لديه مقومات الفساد ، كما انه لم يكتف بمجرد الإلتفاف حول القوانين القائمة ، وانما سن من القوانين ، ما يشرعن لهذا الفساد . ومن هنا يصعب القول ، بأن الإصلاح المنشود ، نزولا علي اهداف الثورة ، ومطالب الثوار ، يقف عند حدود التخلص من الصف الأول والثاني من القيادات الإدارية ؛ لأن ذلك يعد وقوفا عند مستوي القشرة ، دون تجاوزها . بل لابد أن يتجاوز التغيير مستوي القشرة إلي اللب ، حتي يصبح تغييراً ثورياً فاعلاً ، ويتجاوز حدود معالجة العرض ، إلي معالجة المرض .
حــــســــــن زايـــــــــد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق